عباس حسن
191
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> - فليس استخدامنا المصدر القياسي مع وجود السماعى إلا كاستخدامنا الألفاظ والكلمات التي تجرى عليها الرفع ، أو النصب ، أو الجر ، أو الجزم في أساليبنا الخاصة التي ننشئها إنشاء يختاره كل منا على حسب هواه ، ونؤلفها تأليفا مبتكرا لم تنطق به العرب نصا ، ولم تعلم عنه شيئا ، وإن كان لا يخرج في هيئة تكوينه ، ومادة كلماته ، وترتيبها ، وضبط حروفها - على النسق الوارد عنهم ، ولا يتعدى حدودهم العامة ، فهي أساليبنا ، ومن صنعنا ، وهي في الوقت نفسه أساليب عربية صميمة ، وتسمى بهذا الاسم ؛ لجريانها على النظام العربي الأصيل في مفرداتها ، وطرائق تركيبها ، وضبط حروفها ؛ فلا مسوغ عند هؤلاء لمنع استخدام المصدر القياسي مع وجود السماعى المعروف . وشئ آخر : هو أن قصر القياس في هذا الباب على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة ، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة ، ونطيل البحث ؛ حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعى للفعل ؛ كي نستبيح استعمال المصدر القياسي . وفي هذا من الجهد المضنى والوقت ما لا يقدر عليه خاصة الناس ، بله عامتهم . ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا تطيق ، ودفعناها إلى اليأس ، والانصراف عن لغتنا ، وأنكرنا واقع الحياة الذي قضى باستقلال العلوم والفنون ، وتفرغ طوائف العلماء للفروع المستقلة ، والاعتماد على رأيهم الخاص فيما تفرغوا له ، واستحالة أن يتخصصوا معه في « اللغويات » . ثم ما هو المراد الدقيق من عدم معرفة المصدر الوارد للفعل ؟ ما حدود هذا ؟ وما ضبطه ؟ وكيف يتحقق مع تفاوت الناس علما ، وعملا ، واقتدارا على استحضار المراجع وغيرها ؟ . . . إن رأى الفراء وأنصاره رأى سديد ؛ فيه رفق ، وحكمة ، ومسايرة واضحة لطبائع الأشياء . وليس فيه ما يسئ إلى اللغة ، أو يسد المسالك أمام الراغبين فيها ، المقبلين على اصطناعها وإعلاء شأنها . ولهذا يجب الأخذ به وحده ، والاقتصار عليه ، حفاظا على حياة اللغة ، وإبقائها - على الأيام - فتية متجددة الشباب والنفع . وقد يكون المصدر الذي نصنعه ولم ينطق بلفظه العرب نصا - غريبا على الأسماع ، ولكن هذه الغرابة والوحشة يزولان بالاستعمال . ثانيهما : أن الراجع إلى الكلام العربي الأصيل ، أو المطولات اللغوية . قد يجد مصادر أخرى مسموعة لا تساير تلك الضوابط والقواعد برغم دقتها وإحكامها . وهذه المصادر الأخرى هي التي يسمونها : « مصادر سماعية » ، أو : « مصادر شاذة » أو : « مصادر قليلة الاستعمال ؛ » أو ما شاكل هذا من الأسماء الدالة على قلتها وعدم صحة القياس عليها . . . والحكم الصحيح على مثل هذه المصادر السماعية أنه يجوز استعمال كل واحد منها - بذاته - مصدرا سماعيا مقصورا على فعله الخاص ؛ فلا يجوز استخدام وزنه في إيجاد صيغة كصيغته لفعل آخر غير فعله المعين ، ويجوز - أيضا - استعمال المصدر القياسي لفعله ، فاستعمال المصدر السماعى لفعل معين لا يمنع استعمال المصدر القياسي لهذا الفعل ؛ فمن شاء أن يصطنع المسموع أو القياسي فله ما شاء ، ويجرى هذا على كل فعل له مصدران مقيس ومسموع ، فإن استعمال أحدهما مباح . وإلا كلفنا جمهرة الناس مالا تطيق - كما تقدم - ؛ إذ نطالبها بمعرفة المسموع لكل قياسي ، والاقتصار على هذا المسموع وحده . وفي هذا من التعجيز وتعطيل القياس أفدح الضرر . -